الرئيسية
spacer

News

advertisement.png, 0 kB
Advertisement
spacer
spacer

يصدر قريباً

 
تسلل - جمال عمر PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق

اسم الكتاب : تسلل .. مهاجر غير شرعي الي امريكاActive Image

المؤلف : جمال عمر

التصنيف : رواية

الطبعة الأولى : 2008

تصميم الغلاف : ريهام ناجي

السعر :  8 $

 

 
للدخول الى أي مطار، يـجب أن تتخفى عن عيون الأمن وأفضل وسيلة لذلك، مصاحبة امراءة أو فتاه، فلا تمطرك العيون بالنظرات كما لو كنت تمشي وحدك أو مجموعة من الشباب العرب،لا أذكر من نصحني هذه النصيحة أو أول مرة سمعتها فهي تمر عبر جوانب قريتنا وكأنها جزء من الوصايا المهمة في رحلة التسلل الى أمريكا. لكن هذه الفكرة كانت الدافع، بجانب دوافع أخرى. الى أن أبدأ أحاديث مع فتايات مختلفات في هذه الرحلة.
كان بالطائرة التي أقلتنا من " الاكوادور" في غرب أمريكا الجنوبية، الى "كوستاريكا" في أمريكا الوسطى.
 فتاة تتحدث اللغة الاسبانية، وأنا لا زلت لاأعرف من كلماتها شيئا. لكن هل يكون ذلك مانع، يوقفني. لا شيء يمكن أن يوقف مسيرة هذه الرحلة. مهما كان الثمن. نقدر على التفاهم في أي مكان ومع اي لغة، هكذا كنت أردد في ذهني. كي أدفع نفسي، وطبيعتي، المنطوية، الخجولة . في الاندفاع الى محادثة الفتايات، أو التظاهر بمحادثتهن.

     كانت كلماتي توليفة من لغة الاشارات، التي تستخدم فيها اشارات اليد وتعبيرات الوجه. مع بعض الكلمات الانجليزية مُطعمة بالكلمات المعدودة التي عرفتها من الاسبانية في " الاكوادور"، اخذت الرحلة حوالي ثلاث ساعات بالطائرة. وصلنا الى مطار كوستاريكا الذي عاد منه منذ ثلاثة أسابيع، بعض أفراد قريتي الى، " الاكوادور". للاسف الفتاة التي كنت أرتب الخروج من المطار. محتميا بها من عيون الامن. اتجهت في اتجاه آخر غير اتجاه الخروج، ستستقل طائرة أخرى، وعدت وحيدا بلا غطاء نسائي، عاريا أمام أعين الأمن في المطار.
      طلبت من محمد الكفراوي أن يذهب الى طابور اخر غير الطابور الذي أقف فيه. طابور الكفراوي تحرك بسرعة وخرج هو. وصلت الى موظفة الجوازات، الجميلة أرتدي نظارتي التي اشتريتها من مطار" كيتو" كي  تخفي نظرات القلق في عيني. تنظر الموظفة في جواز السفر وتنظر الى وجهي، في لحظات، شعرت أنها طويلة جدا. حاولت أن أتظاهر بعدم الاهتمام أتخفي في نظارتي. وبعد عدة دقائق تقدم رجل ذو شارب كثيف من الخلف . فمرت بذهني كل القصص التي سمعتها عن العودة من مطار " كوستاريكا" بسرعة البرق، في خطوات الضابط الذي تقدم الى الامام. وعاد الى الخلف مرة اخرى، ختمت الموظفة الجواز بخاتم الدخول وأعطتني اياه. مررت من أمامها. واذا بالضابط يستوقفني، ويطلب مني جواز السفر، الذي فتحة ونظر الى التأشيرة، للحظات، وأعاده الي. وكأنه يضع قلبي موضعة مرة أخرى من الخوف. وسمح لي بالمرور. أخذت نفس عميق كأنني لم أتنفس بهذا العمق من قبل في حياتي.
 وجدت الكفراوي في مكان استلام الحقائب، حيث انتظرنا حقيبتي التي كانت مشحونة بالطائرة. سحبنا الحقيبة، واتجهنا فورا الى باب المطار، دلفنا الى تاكسي منتظر بالخارج، بدأت السيارة تشق طريقنا من المطار الى العاصمة، التي تبعد حوالي نصف ساعة عن المطار.
تحدثت مع الكفراوي فرحين بالوصول الى " كوستاريكا"، وسلامة الدخول. ولكن كان القلق يتملكني من ايقاف ضابط الجوازات لي، فربما سيراقبوننا،أو على الاقل يمكن أن يسألوا سائق التاكسي، عند عودته الى المطار، عن المكان الذي أنزلنا اليه. وربما هناك من يراقبنا الأن، ويتبع التاكسي. فقررت أنا والكفراوي أن لا نذهب مباشرة الى الفندق المعهود، خوفا من ضرب خط التهريب، وكشف هذا الحلقة من خط التهريب في "كوستاريكا" فهذا الخط ليس ملكا لنا فقط، بل هو ميراث تملكة قريتنا والكفرالمجاور لنا، وعلينا أن نحافظ عليه لمن سيأتي بعدنا، كما حفظه لنا من سبقونا.  
طلبت من سائق التاكسي، الذي يعرف بعض الانجليزي، ان يأخذنا الى فندق هو يعرفه. فوافق فرحا مهللا.
توقف التاكسي، أمام أحد الفنادق في العاصمة، دخلنا، ومازال السائق منتظرا أظن أنه ينتظر البقشيش من الفندق لأنه جلب لهم زبائن، فكيف سنتخلص منه اذن، بعد السؤال والاستفسار عن أسعار الفندق، تحججت أن أسعار الفندق غالية. هيا بنا يامحمد، قلتها بالانجليزية واستقلينا التاكسي مرة أخرى، وعلينا أن نجد طريقة اخرى للتخلص من التاكسي وسائقة. طلبت من "التاكسجي" أن يتوقف بنا عند بنك، لأننا نحتاج الى تغيير عملة، فحاسبناه وذهب في طريقة، ودخلنا الى البنك.
داخل البنك وقفنا في طابور طويل، ذكرني بطوابير مصر العزيزة، وقفنا لتغيير أربعون دولارا لعملة " كوستاريكا"، على ما أذكر اسمها " الكوانتو" وكان كل دولار يساوي حوالي اثنين ونصف " كوانتو" ومن الطابور والروتين، علمت أن هناك لا شك سوق سوداء للدولار. يمكنك أن تحصل على الضعف لقيمة الاستبدال في البنك. على أي حال فنحن لانفكر في ذلك الان.
استبدلنا الدولارات، وأخذنا تاكسي اخر، في طريقنا الى الفندق المعهود وهو على نفس اسم الفندق الذي نزلنا فيه في " الاكوادور" " فوش".
شوارع العاصمة " سان خوزيه"، أقرب الى أي من المدن العربية القديمة، من حيث طرق البناء ونظام المرور. وازدحام الناس. حتى وصلنا الى الفندق. وهو عبارة عن بيت من ثلاثة طوابق، باب الفندق من أسياخ الحديد الغليظة القوية التي تقاوم دخول المصفحات.
استأجرنا حجرة بسريرين, وكانت الأسعار غالية بالمقارنة " للاكوادور" بسبب سعر تحويل العملة، التي تسيطر عليها السلطات، فلا يعبر سعر الدولار عن السعر الحقيقي للسوق. لكن ليس لنا اختيار فقد وصلنا قبل غروب الشمس بحوالي ساعتين. وكنا جوعى، خرجنا نبحث عن طعام في شوارع " سان خوزية" حيث الأكل في الفندق غالي التكلفة.
 صاح الكفراوي       
 - ده شكلة محل بقالة .
دخلنا الى المحل لا نعرف ماهو مكتوب على العلب المرفوفه، بدأنا نختار على حسب الصور المرسومة على أغلفة العلب. فاشترينا فول، وقطع من الجبن وخبز وبعض المخلالات. واتجهنا مباشرة الى الفندق.
       بواسطة الالة العجيبة التي أحملها معي، والتي تقوم بوظائف عديدة، فتحت علبة الفول، وأفرغتها في طبق صغير وكذلك المخلل وجلسنا نأكل، واذا بكسرة الخبز الأولى تقف في الحلق، فنسبة السكر في محتويات الفول عالية - وكأنك تأكل طبق من المهلبية الحمراء- تركنا الفول وتناولنا الجبن والخبز والمخلل، واذا بالمخلل هو الأخر به نسبة سكر عالية. فقد تعودنا على أكل الفول والمخلل بنسبة ملح أكثر في بلادنا. في النهاية أكلنا جبن وخبز فقط لقتل الجوع ببطوننا.
 في هذه الليلة وفد على الفندق أسر، عرفت بعد ذلك أنهم من بنما. أسر قادمة لزيارة " كوستاريكا" فكل هذه البلاد من المكسيك الى كل بلاد أمريكا الجنوبية باستثناء أظن البرازيل الوحيدة التي تتحدث لغة أهل البرتغال، وباقي دول أمريكا اللاتينية والوسطى تتحدث  اللغةالاسبانية، وعقديتهم الدينية في الغالب مسيحين كاثوليك.  
حجرتنا في "سان خوزية " ليس بها تليفزيون، فماذا نفعل الأن؟
نزلت الى صالة الاستقبال، أو ماتدعى صالة الاستقبال، كان بها فتاتين في حوالي الثامنة عشر من العمر، احداهن ذات بشرة بيضاء شقراء، والاخرى ذات بشرة سمراء  وشعر أسود فاحم، وعيون خضراء، لا أعرف ان كان لون عينيها أوهذة عدسات لاصقة تعطي عينيها اللون الاخضر. كن يـجلسن في حالة تشبه الحالة التي أمر بها، فليس هناك ما يفعلنة داخل الفندق الا النزوال الى البار. جلست على مقربة منهن وبدأت نظرات التعارف واستجابات التحية. شعور غريب أشعر به، بعد تجربة "الاكوادور" بضرورة التخفف من قيود الأصول والعادات والتقاليد، فهذا الكفراوي بالغرفة، وعدنان وراشد لا أعرف أين هما الأن، في طريقهم من "الاكوادور" الى "كولومبيا، "فبنما" حتى يلحقونا في "كوستاريكا".
        بدأ حديث بيني وبينهن، خليط من بعض الكلمات الانجليزية والاسبانية، فهن من الوفد الذ وصل مع المساء. وهن في زيارة ثلاثة أيام. وهن راقصات في فرقة باليه. انصرفت احداهن، ولا أعرف كيف استمر الحديث بيني وبين الفتاة الأخرى، بالرغم من حاجز اللغة بيننا الا أن لغة الشباب أقوى وأفضل وسيلة من وسائل الاتصال بيننا، فتواصلنا حتى كادت تقترب شفتانا. واذا بصوت الكفراوي يهجم على الصالة يبحث عني، لأنه لا يـجد ما يفعلة فقطع الأهداب التي نُسجت بيني وبين الفتاة، فستأذنت منها وذهبت مع الكفراوي، الى حجرتنا أنعي حظي النحس. أن قابلت الكفراوي صدفة في مطار القاهرة.
هكذا قضينا ليلتنا الأولى في" كوستاريكا". حتى خلدنا للنوم بحثنا عن يوم جديد في هذه الرحلة لا نعرف أين سنكون غدا؟ و ماذا تخفي لنا الأيام القادمة؟
        في حوالي الثالة صباحا رن جرس التليفون في الغرفة التي نسكنها، صحوت مفزوعا. وكأن هناك غزو من المليشيات العسكرية في " كوستاريكا" على الفندق. تناولت سماعة التليفون واذا بصوت موظف الاستقبال يريدني أن أنزل الى الاستقبال حالا.
 (13)

         نزلت من حجرتي في جوف الليل، أفرك عيني في الثالثة صباحا، ماذا حدث؟ يـجعل موظف الاستقبال يقلقني، ويطلب مني ضرورة النزول الى الاستقبال، دارت في رأسي الظنون، اذا بموظف الاستقبال يشير الى باب الفندق، وأمام الباب يقف عدنان وراشد لقد وصلا من رحلتهم عبر ثلاثة دول عن طريق الحدود، في رحلة ثلاثة أيام، و يرفض موظف الاستقبال فتح باب الفندق الذي لا يفتح بعد الثانية عشرة لدواعي أمنية، ويأبى أن يسمح لهم بالدخول. لأن الوقت متأخر، وتحجج بأنه لا توجد غرف خالية، رفض بتاتا أن يسمح لهم للدخول حتى الصباح. ومُصر على عدم فتح الباب.
استفسرت منه ان كان هناك فنادق أخرى قريبة منا في نفس الشارع، فأشار أن هناك فندق اخر في هذا الشارع. وسألته ان كان سيسمح لي بالدخول لوخرجت لاذهب معهم لحجز غرفة لهم في الفندق الاخر، فوافق، غيرت ملابسي وخرجت معهم في جوف ليل " سان خوزية". كان التعب يتملك منهما وكأن لهم أيام في الصحراء. كنت أحب أن أعرف ماذا حدث لهم عبر الحدود من " الاكوادور" الى كولومبيا فبنما ثم الى "كوستاريكا" في ثلاثة أيام. وكيف تعاملوا مع الناس وهم لا يعرفون لغة أخرى غير العربي.
وصلنا الى فندق قريب، مكان متواضع، بالفعل وجدنا لهم حجرة يبيتون فيها حتى الصباح. ولم يكن هناك وقت لتبادل الحديث، فذهبوا للنوم. وعدت مسرعا الى فندقي مرة أخرى، سوف يأتون الى الفندق الذي أنزل به أنا والكفراوي حيث ننتظر فيه المهرب.
في صباح اليوم التالي التقينا نحن الأربعة داخل غرفة أخرى بالفندق، بها أربعة أسّرة فاوضت للحصول عليها وحاولت تخفيض ايـجارها حتى نوفر في المصاريف الغالية في " كوستاريكا". بعد انضمام عدنان وراشد لنا، اتصلت برقم تليفون المهرب الذي أعطانا اياه مسعود وكان هذا الرقم موجود ضمن الأرقام التي خرجنا بها من قريتنا. وهو رقم تليفونه في " نيكارجوا". فاتصلت " بروفائيل" وكان يتحدث بانجليزية طليقة،لأخبرة أننا في كوستاريكا، فذكر أنه يعرف و أحد رجاله في طريقة الينا. لعل مسعود اتصل به عند مغادرتنا من الاكوادور.
قضينا يومنا نستمع الى قصص عدنان وراشد، والتي لم يكن فيها الكثير، غير الجلوس داخل الأتوبيسات من دولة الى أخرى في رحلة استمرت ثلاثة أيام، وأن المهرب المفروض عليه مساعدتهم لدخول بنما، لم يقابلانه فذهبا بأنفسيهما الى الحدود وحصلا على تأشيرة دخول "بنما" ومنها الى"كوستاريكا". وبذلك وفرا تكلفة المهرب فكانت رحلتهما أقل من نصف تكلفة رحلتنا. شعرت بغيرة غامرة. فالذين لهم من يساعدهم ويتابعهم في نيويورك ، ونفقات رحلة تهريبهم جاهزة . تقل تكاليف رحلتهم. وأنا والكفراوي الذين ليس لنا في نيويورك من يتابع رحلتنا ولا أعرف ان كان هناك من سيرضى أن يتكفل ببقية تكلفة رحلتى حين تنفذ نقودي. تزداد تكاليف رحلتنا. ياله من عالم له نظامه الخاص، لا يسير حسب احتياجات الناس.
 حينما سمع الكفراوي هذا قال
ممكن تشاركوا في الفلوس الي دفعناها عشان نساعد حسن، وتدفعوا جزء منها
أجاب عدنان مباشرة دون حتى أن يفكر أو يظهر نوع من التردد:
لا. احنا اتكلفنا مصاريف كتيرة في رحلتنا
واحنا كمان، وكلنا في مركب واحد، ادفع ياأخي حَلاَوة وصولك عشان ربنا يوفقنا. ما لنا حد في نيويورك يحول لنا فلوس زيكم، وفلوسنا مش كفاية.
وجدت أن الحديث بينهما سيتحول الى صراع و لسنا في حاجة الى ذلك الأن، خصوصا في هذه البلاد، ويمكن أن تكون هناك فرص أخرى لمناقشة هذا، فأشرت أن نضع هذا الموضوع وراءنا الأن وان نركز في مساعد المهرب الذي المفروض أن يأتي الينا هذا المساء.
 طُرق باب الغرفة واذا بعاملة النظافة تأتي لعملية التنظيف اليومية للغرفة، امرأة ممشوقة القوام، تتدلى خصلات شعرها الحريرية من تحت غطاء الرأس، ترتدي رداء أبيض من قطعة واحدة مثل زي الممرضات في بعض الأفلام المصرية القديمة.  تمسك أطراف الرداء " زرائر" تسمح لنفحات الهواء بالدخول تتبعها نظرات أعيننا الحارقة، فتكشف ملابس داخلية حمراء دامية تحتضن رمانتين قويتين، محبوستين. وصندوق من الحلويات بين فخذيها تمتد منهما ساقين جميلتين.
في اشارة منها وابتسامة، تحمل الانوثة والاغراء والدلال، في مزيـج اعتصر كل أفكارنا، خرجنا واحد تلو الآخر من الغرفة، الا الكفراوي الذي ظل ممددا على فراشه، ولم يلحق بنا.
في مساء ذلك اليوم ، فتح باب غرفتنا فجأة، وطل منه رجل قصير القامة نحيف العود أبيض البشرة، ذو شارب أصفر يوحي بأصولة الأوروبيه. في حوالي نهاية العقد الرابع من العمر. تتحرك عينيه كأرنب دائم الحركة، أشار الينا في ايحاءات وبعض الألفاظ الاسبانية، أنه مساعد "روفائيل" وان اسمه "سكانينو". نزلنا معه الى الاستقبال حيث اتصل " بروفائيل" الذي كلمني عبر التليفون فأخبرني أن هذا هو مساعدة وعلينا أن نتبعة. وسوف نرحل في الصباح.
ذهبنا للنوم في هذه الليلة مبكرا، لعل الصباح يأتي بسرعة، حيث يمر الوقت ببطء في " كوستاريكا".
التاسعة من صباح اليوم التالي، كنا مستعدين للمغادرة، بعد دفع حساب الفندق. وتناولنا بعض الطعام، خرجنا من الفندق نتبع "سكانينو" في شوارع "سان خوزية"، ذهبنا الى محطة الأتوبيس سيرا على الأقدام. ربما لنوفر تكلفة التاكسي. بعد حوالي خمسة عشرة دقيقة وصلنا الى مكان مزدحم، يشبه مواقف الأتوبيسات في القاهرة، في الازدحام وعدم النظام والقذارة. اشترى تذاكر الأتوبيس، وصعد فصعدنا وراءه.
بدأ الأتوبيس يتحرك بنا من العاصمة في طريقنا كما أظن الى الحدود بين "كوستاريكا" و"نيكارجوا". ولكن الأتوبيس يتحرك ببطء شديد، أخاف لو زاد من سرعته أن تتفكك أجزاءه من بعضها البعض. ولكن ليس بأيدينا شيء.
دائما في مثل هذه الحالات، تعود الى الذهن النصيحة الأساسية للتخفي عن العيون، وأفضل غطاء هو النساء. لذلك عندما توقف الأتوبيس في أحد المرات صعد رجل وامرأة وكانت كل كراسي الأتوبيس مشغولة, عرضت على السيدة أن تجلس على مقعدي بجوار عدنان. وجلست أنا على حرف المقعد. مائلا نحوها مسندا ذراعي خلفها على المقعد. تبادلنا الحديث ببعض الاشارات والكلمات الاسبانية القليلة التي تعلمتها من حديث الناس.
 ازداد جسدها اقترابا. فالتحم ثديها المكتنز بصدري وكأنه يد ثالثة تمتد الى صدري، ومع كل هزة من الأتوبيس تتحرك هذه اليد لامسة صدري، فتسري نشوة في أوصالي، فتقترب اليد أكثر وأكثر. يا له من اختلاف بين أتوبيساتهم واتوبيساتنا.
لكن بعد مدة ومع طول الطريق، حيث لم يفرغ مقعد اخر في الأتوبيس، ولم  تنزل السيدة. فتحولت يدها الثالثة الى دبوس حاد، يوخذني، واستحالت النشوة الى دجر وحنق، متى تضع هذه المرأة، حصوة ملح وتغادر هذا المقعد فلقد تفلقت مقعدتي من جلوسي على الحافة، ياله من غطاء تخفي مؤلم ومتعب. لكن لكل شيء ثمن وهذا ثمن المغامرة.
توقف الأتوبيس بعد رحلة ثلاث ساعات للاستراحة، فاشترى "سكانينو" زجاجات الكوكاكولا لكل واحد منا. واشترى غذاء لنفسة فقط. نظرت اليه وأشرت نريد مثل ذلك، كشف شفتيه عن ابتسامة صفراء مشيرا ليس هناك وقت، فكان البخل يطق من شرار عينيه، لكنه في الاستراحة التاليه بعد ساعة ونصف أحضر لنا بعض الطعام.
تركت المرأة الجالسة على مقعدي الاتوبيس بعد أربع ساعات من عذابي، وبعدما ذبلت مقعدتي من الالم.
بعد فترة قصيرة من الاستراحة الثانيه ألمح الينا " سكانينو" أن نستعد للنزول، وبالفعل نزلنا من الأتوبيس على جانب الطريق. واذا بسيارة حمراء اللون صغيرة، في انتظارنا، و اثنين من الرجال في استراحة فقيرة متواضعة عبارة عن مكان مسقوف بالصاج، أشار الينا "سكانينو" أن نتخفف في ملابسنا، وبالفعل ظل كل منا بالسروال وفانلة، وضعنا الحقائب في مؤخرة السيارة. دخلنا الى السيارة التي بدأت تتحرك، لمدة حوالي عشرين دقيقة وتوقفت وكان في انتظارنا شاب، أسود البشرة في حوالي العشرينات من العمر. بعد ان نزلنا منها فرت السيارة بحقائبنا.
هل هذا هو المهرب الذي سوف يصحبنا الى نيكارجوا ؟ لا نعرف فليس هناك من وسيلة للحديث. انتظرنا حوالي ربع ساعة، واذا بأتوبيس اخر يُقبل ويصعد مرافقنا ونصعد وراءه فيعبر منطقة تقتيش أمنية، بعد فترة يتوقف الأتوبيس، فنزل مرافقنا ونحن وراءه. سرنا خلفه على جانب الطريق وبعد دقائق قليلة ظهرت السيارة الحمراء الصغيرة. مرة اخرى. فركبنا مع سائقها وتركنا الشاب. ظل السائق في طريقة يتوقف ويسأل السيارت الأتيه في الطريق المعاكس.
بعد حوالي خمسة وعشرين دقيقة. وصلنا الى مكان، صرخ فينا سائق السيارة "باموس" ولوح بيدية ففهمنا انها اشارة الى الخروج من السيارة والدخول الى المكان الذي يشير اليه. وألمح أنه سيأتي حوالي الخامسة "سنكو أورا".
دخلنا الى منطقة مليئة بأشجار عالية، لون أخضر في كل مكان.  كأنها الغابات التي طالما شهدناها في الأفلام الأجنبية، سواء حينما يأتي المكتشفون البيض الى أفريقيا، أو أفلام الصراعات الحربية في فيتنام. أو حتى القصة التي قررت علينا ونحن تلاميذ في المرحلة الاعدادية "قلب من ذهب" التي كانت تصور أحداث في السودان، فكانت الصور دائما خضراء وأشجار وحيوانات. وكذلك أفلام الكرتون الأوروبية التي يعرضها التليفزيون المصري، فتكون مليئة بالغابات والأمطار والثلوج التي لا نراها في الحياة المحيطة بنا. فها نحن في مكان من هذه الأماكن.
وبالمنطقة كوخ فقير متواضع يتخفى في الداخل بين الأشحار, ولا نعرف هل نحن في "كوستاريكا" أو"نيكارجوا". وعلينا أن ننتظر حتى الخامسة كما قال السائق.  
                     (14)

        داخل هذه الأحراش، كائن يشبه رجل، أسود فاحم السواد، ذو شعر أكرت، تكشف شفتيه عن أسنان بيضاء ناصعة البياض، ربما سواد الجلد يُظهر بياض أسنانه، تتخللها بعض قطع من الفضة على شكل أسنان. ربعة، لاتستطيع عينك أن تجد قطعة من الشحم في جسدة النحيل، الذي عارك الطبيعة. يرتدي سروال وقميص، غامق اللون، وكأنه يرتديهما منذ ولادته. يتحرك دائما، حاملا سكين طويلة كأنها سيف، وكأنها عصاة التي يتكيء عليها.
ليس هناك وسيلة للحديث بيننا، فنحن لا نتحدث الاسبانية، أشعر أنه لم يقترب من مدرسة أبدا، فربما لا يكتب الاسبانية ولا يقرأها أيضا. حاولت أن أحدد له عمرا، لكن صعب جدا، فهو خارج الزمن.
داخل الكوخ " الخُص" ظلننا في حالة من انعدام التوازن، حيث لا نعرف أين نحن، هل نحن في "كوستاريكا"، أم نحن الأن في "نيكارجوا"؟ وهذا الرجل حامل السيف، هل هو حامينا أم سجان؟ في حالة من الخوف لا نتحدث، خوفا أن يسمعنا أحد. فاللحظات تمر ثقيلة متباطئة، متى تأتي الساعة الخامسة.
في هذه الحالة تطاردني القصص التي تتبادلها قريتنا، حول من سبقونا في هذا الطريق وخصوصا قصص من فشلوا وتم القبض عليهم، على الحدود في وضع كوضعنا هذا، حينما يتأخر المهرب ولا تأتيهم الا الشرطة، أو يتحرك البعض قبل الأوان، فيضلوا الطريق ويقبض عليهم. وكل هذا كوم والعودة الى القرية خائب الوفاض كوم اخر. غارق للاذقان في الديون، فتصبح في القرية كالمنبوذ. فقصة محمود أحد أبناء قريتنا، الذي تركه المهرب ومجموعته، حتى وجدتهم الشرطة. وكانت نظراتي الى باب الكوخ دائما مع أي صوت في الخارج ، تحسبا من سيطل علينا من هذا الباب؟
اقتربت الساعة من الخامسة، وكل لحظة وثانية بعد الخامسة تزداد الهواجس والظنون، مطاردة لي، تحول ذهني الى، سيرك كبير غير منظم ولا مرتب كل يعرض وكل يلعب أمام متفرج واحد.
أشارت الساعة الى الخامسة وربع، ونصف، وعند السادسة طل في مدخل الكوخ، شبح، مألوف انه شبح " سكانينو" بابتسامته البلهاء صائحا "باموس، باموس" عرفنا انه علينا أن نخرج، بالخارج كانت نفس السيارة الحمراء. أسرعنا داخلها انطلقت السيارة في الطريق وكل عدة دقائق يتوقف السائق ويسأل السيارات القادمة في الاتجاه المعاكس. بعد حوالي خمسة وعشرين دقيقة. توقفت. وسمعنا كلمة " سكانينو" الاثيرة "باموس، باموس".
خرجنا من السيارة مسرعين يسبقنا "سكانينو" اقترابا من الأحراش بجانب طريق الأسفلت. واذا باثنين من الرجال يخرجون من خلف الأشجار، يحمل كل منهما هذا السيف الذي كان يحمله حارسنا في الكوخ. شاب في الثامنة عشر من العمر، نحيل يرتدي فانلة وبنطالون قديم. الآخر رجل في الأربعينات، متوسط الحجم، عريض المنكبين يميل لون بشرته الى ما بين الخمري والابيض. حول وسطي حزام من الدولارات به جزء من تكلفة التهريب. حينما طل علينا الرجلين. شعرت أن حزام الدولارات، حزام من نار يلتف حول خاصري. يلسعني. قد نقتل هنا من أجل هذا الحزام. ينظر كل منا الى الاخر، كان " سكانينو" يتحدث مع الرجل، الذي ربما هو الزعيم أو القائد. والذي بدأ يتحرك الى داخل الغابة، وجرى "سكانينو" الى داخل السيارة التي انطلقت لتوها. لانعرف شيئا، فلا أحد يتحدث الينا، حتى ان أرادوا فكيف نتحدث.
 أشار الينا القائد "باموس" كي نسير خلفة داخل الأحراش. هو في المقدمة نتبعة وفي المؤخرة ما يمكن أن أسميه مساعده الشاب. داخل الأحراش بعيدا عن طريق الأسفلت وكان ضوء النهار بدأ ينسحب متخاذلا. أشار الينا ما فهمنا أن علينا أن نخلع الملابس البيضاء.
عرفنا أهميتها بعد ذلك فمازال هلال عيد الفطر المبارك يظهر بالليل واللون الأبيض يعكس ضوء القمر. انه دليلنا الذي سيعبر بنا الحدود بين "كوستاريكا" و"نيكارجوا". حاولت أن أعرف منه كم ساعة علينا أن نسير في هذه الأحراش. أشار بيدة "تراس أورا" مافهمت منه أن علينا أن نسير حوالي ثلاث ساعات لعبور الحدود.
سرنا خلف هذا المرشد السياحي الليلي. في الأحراش. بين فترة وأخرى يستخدم السيف الذي يحملة بيدة ليقطع فرع يسد الطريق أمامنا. لاأعرف كيف يعرف اتجاهه في هذه الأحراش التي تشبه كل منها الأخرى. على ضوء خافت من القمر الذي يغطي عليه بين الحين والاخر غمام يحجب ضوءه. يعرف الاتجاه بلا خرائط، ولا بوصلة. يسير ونحن خلفة في طابور يشبه أفلام المستكشفين الأوروبيين في أحراش أفريقيا. حينما يستخدمون أهل البلاد الأصليين في رحلاتهم. وفي المؤخرة رهط اخر يحمل حقائبهم. ولكن نحن هنا نحمل حقائبنا. حيث كنت أحمل على ظهري حقيبة كبيرة بها من الأغراض الكثير وكانت ثقيلة وتزداد ثقلا كلما توغلنا في الغابة حيث نصعد مرتفعات ونصل الى حافة هوة، ونعتقد أنه لاسبيل، ولا طريق يمكن أن نستمر فيه. فينحرف مرشدنا الى اليمين أو اليسار واذا بطريق صغير من الصعب رؤيته في هذا الليل.
عجيبة هذه البلاد نمر عبر جدول مائي صغير فنتوقف. يشرب مرشدنا ومساعدة أو يشير الينا أن نشرب. غاب ضوء القمر. ولا نرى هذا الماء ولكن العطش وارهاق الصعود والنزول جعلنا نشرب ونعب من الماء الذي لا نعرف ان كان جاري أم راكد.
استكملنا المسير، عدنان وابن اخته راشد يحملان حقيبة واحدة صغيرة جدا، والكفراوي معه حقيبة متوسطة. وكنت أحمل على ظهري حقيبة ثقيلة وكأنني في عملية احماء لبطولة في رفع الأثقال. وكلما صعدنا فوق هضبة ما أشعر أن ليس هناك هواء كافي ليدخل عبر رئتي، كنت في مؤخرة الركب، ولم يفكر عدنان أو راشد أن يعرض أحدهم أن يحمل عني حقيبتي ولو لعدة خطوات. واستنكفت أن أطلب. بدأت تتكون مشاعر كراهية داخلي نحو عدنان الذي أشعر كل يوم بانانيته. يـجب أن أبدأ في التفكيرفي نفسي ومصلتحي أنا أولا وأي شيء يأتي بعد ذلك، بدأ يتسرب داخلي شيئا فشيئا الشعور أننا في مركب واحد، وأن نجاح رحلتنا يتوقف على أن نكون يد واحدة ايضا. فكان الصراع داخلي بين الشعورين، يستعر كلما صعدنا هضبة، وأنا احمل الحقيبة على ظهري. وعدنان وابن اخته راشد يتصارعان على من يحمل حقيبتهم الصغيرة.
عبرنا أكثر من سلك شائك ذكرني ببعض الحواجز التي كان يقيمها البعض في قريتنا، كحاجز حول مزرعته، ليحمي حديقة البرتقال، فكان الحاجز في القرية عالي حتى لا يستطيع الانسان أن يرى ما بالداخل. مما يختلف عن حاجز السلك الشائك بين "كوستاريك" و"نيكارجوا", حاجز منخفض من السهل عبورة. استمرينا نسير هذه الساعات بين أرض واحدة لافرق بين البلدين الناس هنا يتحدثون نفس اللغة ، بل يشبهون كل منهما الاخر. لكن هذه دولة وتلك دولة أخرى. ازدادت حدة الصراع بين راشد وخالة، حول من يحمل حقيبتهم، عدنان يريد راشد أن يحمل الحقيبة طول الوقت، فهو الأصغر، ولولا أخواله ماكان استطاع أن يـجد المال لهذه الرحلة. وعليه أن يدفع تكلفة ذلك بأن يكون مؤدب ويسمع كلام خالة. نظرت اليهما وعرضت أن أحملها هي الأخرى ان كانت مشكلة بينهما. فاستكانا واستمرينا في المسير، حيث كان الصوت ينطلق في حنايا الأحراش بسهولة.
بدأت طبيعة الأرض تتحول الى الأرض المسطحة، غير تلك الهضاب والمرتفعات. فكان السير أخف. بعد ساعات، أشار الينا مرشدنا أن نجلس هنا، وتقدم هو ومساعدة الى الأمام. لحظات وعاد المساعد فقط وجلس معنا. ظلت أبصارنا معلقة بالاتجاه الذي غاب فيه المرشد. استدرت الى المجموعة وكنا نتحدث في همس، وبينما أتحدث الى الكفراوي، بعد مرور حوالي نصف ساعة على غياب المرشد. أرى شيء يتحرك قادما من الخلف حيث جئنا بدأ يتضح شيئا فشيئا، انه كيان انسان يقترب منا. شعرت أن قلبي توقف عن الدق بعد كل هذا التعب وحمل هذه الحقيبة اللعينة عبر هذه الأحراش والمرتفعات يُقبض علينا. لماذا لم يأت هذا الملعون مبكرا فلا نتحمل كل هذا التعب.
اقترب الشخص واذا به مرشدنا، الذي دار حول المكان يستكشفة. انتظرنا حوالي ثلث ساعة أخرى في هذا المكان، وكان ينهبني الجوع فلم نأكل منذ اثنتي عشرة ساعة. بدأنا السير خلف المرشد، حتى وصلنا الى بيت يقف وحيدا في هذه المساحة الشاسعة من الأراضي المسطحة. طرق المرشد الباب، فخرج رجلان وامرأة من داخل البيت. فكان المفروض أن تأتي السيارة التي تأخذنا في الحال، ولكن لسبب ما لم تكن هناك سيارة. هكذا خمنت. وعلينا أن نمكث في هذا المكان حتى الصباح.
دخلنا الى البيت في الظلام الدامس، مصباح صغير من الكيروسين وبالداخل امرأة ورجل. كنت ميتا من العطش، فقلت للمرأة "أجوا، أجوا" ماء ماء. حسب الكلمات الاسبانية التي تعلمتها. بالفعل أتت لنا بماء شربنا لانعرف ماذا نشرب وكان التعب قد حل بنا. مازلنا لا نعرف ان كنا نحن الأن في " نيكارجوا" أم لا، تحسست حزام الدولارات حول خاصري. ووضعت حقيبتي خلف رأسي وفردت جسدي على الأرض. أحسست كيف تقضي الحيوانات في حظيرتنا ليلها بلا ضوء ولكن لكل ظلام هناك نور اخر لا يدركه الا من يـجرب.
أخاف دائما أننا سنُسرق ونحن نيام، فاقترحت أن نتناوب على الحراسة، وأبدأ أنا حتى أشعر بالتعب، فأوقظ الكفراوي، وبعد منه عدنان فراشد حتى يأتينا الصباح بما يخفيه لنا.
في الصباح أطل ضوء النهار على البيت الذي بدأت تظهر مكوناته، المتواضعة القذرة، يعيش في هذا الحيز الصغير عدد من الأنفس كثيرة، يصعب حصر عدد الأطفال والنساء بل والرجال. قطع علي العد امرأة أشارت ما فهمنا منه استعدوا، حيث مرت السيارة وسوف تذهب وتعود في الاتجاه المعاكس لتأخذنا.
دقائق وخرجنا نجري واحد تلو الاخر الى داخل سيارة، وانطلق السائق بالسيارة بسرعة جنونية على طريق وعر غير ممهد كانت السيارة ترتفع وترتطم بالطريق.
 
< السابق   التالى >
 

Soon

spacer

spacer

 All rights reserved.© جميع الحقوق محفوظة لدار ملامح للنشروالتوزيع