الرئيسية
spacer

أخبار سريعة

 Available Now in bookstores
" The Years of Silence " A Novel By Marwa Ayad
 
advertisement.png, 0 kB
Advertisement
spacer
spacer

جديد إصداراتنا

 
ما رواه النوم - هلال شومان PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق

 

Active Imageاسم الكتاب : ما رواه النوم

المؤلف : هلال شومان

التصنيف : رواية

الطبعة الأولى :نوفمبر 2008

تصميم الغلاف إهداء: أحمد عبد الله
جرافيتي الوجوه ل: حامد سنو

السعر : 5 $

 

 تموضعَتْ ديالا في حجري على السرير، أخذَت من يدي كأس النبيذ ووضعَته على الكومودينة المجانبة. "خلص شرب بأى، ما بيسوى لصحتك". قالت هي، وأطعْتُ أنا. وضعَتْ رأسها في حضني وهي تنظر إلى وجهي ثم رسمَتْ تلك الابتسامة الغريبة وظهر لسانها من جانب شفتيها. تذكرني حركتها هذه بطفولة أختي. كانت كلما تجلس لمشاهد مقدمة المسلسل الكارتوني "بل وسيباستيان"، تعضُّ على لسانها وتظهره خارج فمها. تفعل ذلك خصيصاً لدى لفظ اسم "بل"، فيخرج معها الاسم بلـ "لاء" مشددة لا تنتهي: "بلللل".


".Paris, Je t’aime"
باريس، أنا أحبّكِ. القلب أحمر احمرار خديّ الخجلتين. القلب أحمر احمرار دمي الملفوظ من جسدي. القلب مصنوع من خوازيق حمراء. الخوازيق الحمراء تحدد القلب وشكله. أتمعّن أكثر في الأفيش: أضحك لتفاهتي. هذه ليست خوازيق. هذه نسخ لا متناهية من برج إيفل الفرنسي. القلب يبدو كالشمس: أحمر لكنه يخرج إشعاعات برتقالية، شيء ما أشبه بابتسامات متنوعة وكثيرة لوجوه غير معروفة.

ألاحظ ذلك، وأبتسم لها، وهي تنظر إليَّ بالمعكوس، تماماً كما أفعل أنا. أدع أصابعي تتغلل في شعرها فلا تعلق في ثناياه كما العادة. أمر بأناملي على شامتها الكبيرة المتواجدة على صدغها الأيمن. أتعمَّد الثبات بأصابعي هناك بهدوء محسوب ثم أدور بأصابعي على المحيط الصغير لهذه الشامة. أحب هذه الشامة. قلت لها مرة أن شامتها مزروعة في الصدغ. على هذه المساحة من الرأس أطلق مشاهيرٌ الرصاص من مسدساتهم وأرْدوا أنفسهم قتلى. تضحك، وتطلب مني أن أنحي هوسي الأدبي والتاريخي جانباً، لما أكون معها. "عالقليلة هلأ"، تقول.

الشامة على الصدغ تبرز وتخفت تحت أناملي. لا. إنه جسد ديالا الذي ينخفض ويعلو. عيناها مغمضتان. إنها تحظى بحلم يقظة، بشيءٍ من نشوة. أكمل لمساتي المحسوبة للشامة ثم أتوقف فجأة. تفتح عينيْها وتنظر إليَّ صامتةً للحظة كأنها تسألني لماذا توقفت. لا أجيب. أنطلق تواً إلى الحمام تاركاً إياها في السرير.

"شو فيه؟"، تناديني من الخارج فلا أرد.

أقف أمام مرآة الحمام، أتفرس في وجهي، في وجنتيَّ الخاليتيْن من أي حمرة. وجنتاي ليستا متضرجتيْن بالدم! لكنني كنتُ مستمتعاً للغاية وأنا أحضنها! حقاً؟ هل كنتُ حقاً مستمتعاً؟

تباً. يبدو أنني أعتادها. الاعتياد قاتل ماكرٌ للحب. ينسلُّ في موقع الجريمة بهدوء غامض. لا يحس الفرد بوجوده إلا بعد فوات الأوان. أنا حدسْتُ به في لحظاته الأولى. كنت أستمتع مع ديالا في السرير، أتلمس شامتي المفضلة -أقصد شامتها-. لم أشعر بحرارة خدَّيَّ التي تعودت على الإحساس بها لما أستمتع أو أتحمس أو أضحك أو أبتسم.

ركضْتُ إلى الحمام يسكنني جنون الفكرة: أنا أفقد الحب!

فزعْت. ماذا أفعل؟ لا أريد أن أفقدها. لا أريد أن أخسر ذلك الشعور معها. أستطيع أن أفقده وأن تبقى إلى جانبي لكنني أريدها هي وذلك الشعور اللذيذ معاً. بل ربما أريد ذلك الشعور قبل ان أريدها هي كمحضِ جسد.
"فيه شي؟ مضايق حبيبي؟"، يأتيني صوتها من الخارج، من خلف باب الحمام المغلق.

باريس، أنا أحبّكِ.
أفكر بالحب. أفكّر ببرج إيفل. أفكّر بالخوازيق.

أخرج من الحمام. أعانقها وأبتسم حتى تتكئ ذقني غير الحليقة على كتفها. عندها، أتخلّى عن ابتسامتي، كمن ينظر إلى عدسة كاميرا في مسلسل رديء الصنع، ويودّ أن يوضِّح للمشاهد أنه تصنَّع ابتسامته قبل لحظات وأنه الآن يفصح عن شعوره الحقيقي. لا أرى كيف يبدو وجهها وهو متكئ على كتفي، ولكنني أستطيع أن أخمن. صرتُ أعرفها أكثر مما ينبغي.



أصبْتُ بالقولون العصبي في العام الذي سبق بداية علاقتي الفعلية بديالا. أصبتُ بالمرض ولم أعرف. وازداد الأمر سوءاً وأنا معها. كنتُ أنظر إلى كرسي الحمام بعد كل تغوّط مليئاً بالدم. كنتُ أزور والدتي وكشفني وجهي أمامها. ظهر الضيق واضحاً في ملامحي. اقتربَت مني وسألتني: "مضايق؟" قلت لها: "إي". طلبت مني أن ألحق بها إلى غرفتها لنتحدث بالتفاصيل. تركنا بابا على البراندة يشرب قهوته ويقرأ جريدة "النهار". دخلنا الغرفة وأغلقنا الباب، وقبل أن نتحدث، ابتدأت أمي حديثها بالأسف على حال والدي والتأفف من معاملته لها ومن اكتئابه الواضح. شتمـَتـْه قليلاً. أفرغَتْ شحنتها من الضغط ثم سألتني ما بي ببشاشة غريبة، وكأنّ من كان يشتم للتو كان شخصاً آخر. شرحْتُ لها تفاصيل وضعي الصحي مستخدماً عبارات متحفظة كتلك التي يستخدمها الأبناء مع الآباء. ولما سمعَتْ، ابتسمَتْ وقالت أن هذا أمر بسيط ووراثي، وأن "للبواسير تاريخ في هذه العائلة الكريمة وخاصةً عند أبيك". شتيمة أخرى، ثم نداء لها من الوالد في الخارج، فإجابة صارخة منها له بأن "يلا جاية حبيبي"، وانتهى لقائي مع الوالدة. عرفتُ حينها أنّ اليوم يتسع لأكثر من شعور متناقض بين الأحياء.

هكذا صرتُ أركض إلى باب الخلاء من خمس إلى سبع مرات يومياً. أحس بضغط نفسي فيلفظ مصراني دماً. أشاهد قناة الجزيرة فأتغوط. أحضر الأخبار المحلية فأتبرز. أشاهد المجزرة فأضيف دمي إليها في كرسي الحمام. أشارك بدوري في القضية. أتعارك مع أحدهم كلامياً فأشعر بمصراني منفوخاً من لا شيء وأفتِّش عن أقرب حمام. الغائط ممزوجاً بالدم. مقززة هي هذه الصورة، لكنها صحيحة رغم قرفها. حياتنا أحياناً تصبح غائطاً بدماء.

كنتُ زائد الوزن لما بدأت علاقتي مع ديالا. أسرَّتْ لي أكثر من مرة أنها تحبني هكذا. تضحك وتقول أنني أذكرها بممثل دعاية ملاءات "سليب كومفورت" التلفزيونية وهو يرقص عارياً إلا من لباسه الداخلي قبل أن يندسّ تحت ملاءات السرير وينام.

أنا الدب الشبيه بدب إعلان "سليب كومفورت" المتثائب، ألفظ الدماء أكثر وأزداد نحولاً منذ أن تعرفْتُ على ديالا .

تسألني إن كان بي شيء فأشير بالنفي. أقول لها أنني أستعيد حجم جسدي الطبيعي الذي فقدْتـُه منذ أعوام. لم أخبرها لها أنني في تلك الأعوام، انشغلتُ بلذة الأكل حتى عن الجنس. قضيتُ الأعوام أراقبها وأتحسّر. قد أكون سجلت في "الماسترز" ذاته لأتفرّج عليها تروح وتجيء أمامي مع ذلك المخبول الفاشل. لم تكن يوماً الدراسة الجامعية عائقاً أمامي. برعْتُ فيها بعكس دراستي المدرسية. برعتُ فيها لدرجة أنني ضمنياً كنتُ أسخر من أولئك الذين يجدون صعوبةً في تحصيل العلامات.

أضعْتُ أربع أعوام وأنا أنظر إليها من بعيد. أربع سنوات قضيتُها في الأكل حتى التخمة والعادة السرية وقمع الذات والشتائم الصامتة والعلنية. يا لبلاهتي. أربع سنوات من لا شيء غير الدراسة وجلد الذات وتورد الوجنتين. أكاد لا أصدق هذه البلاهة! استغرقْتُ الكثير من الوقت لأصل إلى هنا.

 
< السابق   التالى >
 

يصدر قريباً

spacer

spacer

 All rights reserved.© جميع الحقوق محفوظة لدار ملامح للنشروالتوزيع